عبد الملك الجويني

150

نهاية المطلب في دراية المذهب

بجريان العفو ، فلا قصاص على القاتل ، إجماعاً ، وليس كما لو قتل رجل رجلاً في دار الإسلام عمداً ، ثم راجعناه ، فزعم أنه حسبه مرتداً أو حربياً ، ففي وجوب القصاص قولان ، وستأتي هذه المسألة ونظائرها . وغرضنا [ الفرق ] ( 1 ) الآن ، فالمستناب إذا قتل ، كان معذوراً ، وكان عذره ظاهراً ، والذي يدّعي الردة [ يستند ] ( 2 ) في قتله إلى أمر [ بعيد ] ( 3 ) ؛ فإن المرتد لا يترك مُسيَّباً ، والحربي يبعد اجتراؤه على دخول دار الإسلام من غير ذمام . وإذا ثبت ما ذكرناه ، فقد يُدعى على المستناب أنه قتل عالماً بالعفو ، قالقول قوله مع يمينه في نفي العلم . 10409 - فإذا وضح انتفاء القصاص ، ففي وجوب الدية على هذا القاتل قولان . واختلف أصحابنا في مأخذهما : فمنهم من قال : هما مأخوذان من اختلاف قول الشافعي في أن الوكيل إذا عزله الموكل ولم يبلغه الخبر ، فهل نحكم بانعزاله ؟ وقد مضى القولان في الوكالة ، قال هؤلاء : إن حكمنا بأن الوكيل لا ينعزل ، فقتْلُ المستناب واقعٌ بحقٍّ ، فلا دية ، وإن حكمنا بأنه ينعزل ، فالقتل غير واقع بحق ، فتجب الدية . وهذا مسلك باطل ، وقد أورده الصيدلاني ، وبنى المسألة عليه ، ووجه بطلانه أنا وإن حكمنا بأن الوكيل لا ينعزل ، فتصرف ذي الحق نافذ في حقه ، فإذا نفذ وتضمّن نفوذه عزلاً للوكيل ، انعزل قطعاً . ولو وكل الرجل رجلاً ببيع عبده ، ثم إن الموكل أعتقه ، ثم باعه الوكيل ، فالبيع مردود ؛ فإن العتق لا بد من تنفيذه ، وفي تنفيذه رد [ بيع ] ( 4 ) الوكيل ، والعفو في مسألتنا من مستحِق القصاص مشبّه بالعتق في الصورة التي ذكرناها ، فلا وجه لرد

--> ( 1 ) في الأصل : " العرو " ( بهذا الرسم تماماً ) . ( 2 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 3 ) في الأصل : " يعمد " . ( 4 ) في الأصل : " مع " .